الاقتصاد الرقمي في مصر.. ماذا تحقق وما الذي ينتظر التنفيذ؟

يد مفتوحة تمسك أجهزة إلكترونية، وكرة أرضية، وخطوط تربط الدول، للإشارة إلى الاقتصاد الرقمي في مصر.

يشهد الاقتصاد المصري تحولًا تدريجيًا نحو تبنّي الاقتصاد الرقمي كأحد المسارات التي تتشكل حولها السياسات الاقتصادية الحالية، في ظل توسع عالمي واضح في استخدام التكنولوجيا وتكاملها مع الأنشطة الإنتاجية والخدمية. يأتي هذا التحول مدفوعًا بزيادة الاعتماد الدولي على الأنظمة الرقمية، سواء في مجالات التجارة الإلكترونية أو المدفوعات والتحويلات أو إدارة سلاسل الإمداد، بالإضافة إلى ما يتيحه الاقتصاد الرقمي من فرص لتحسين الكفاءة التشغيلية وتقليل التكاليف وتعزيز القدرة على جذب الاستثمارات، وهو ما يجعل دول العالم -ومن ضمنها مصر– تسعى إلى الاستفادة من هذه المتغيرات.

الاقتصاد الرقمي في مصر.. محاولة لإعادة هيكلة البنية المؤسسية للدولة

أكد الدكتور سيد قاسم، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أنّ التحرك المصري في مجال التحول الرقمي خلال السنوات الماضية لم يكن خطوة منفصلة عن التوجهات الاقتصادية العالمية، بل جاء ضمن محاولة لإعادة هيكلة البنية المؤسسية للدولة، وربطها بالمنظومات الرقمية الحديثة. وهو يرى أن الاستثمارات التي وُجِّهت للبنية التحتية الرقمية ارتبطت بالمحاولة لتأسيس نموذج حكومي يعتمد على تكنولوجيا المعلومات في تقديم الخدمات وإدارة البيانات، بما يتيح للدولة العمل وفق آليات أكثر دقة وشفافية.

وأشار قاسم إلى أن التحول الرقمي في مصر ارتبط بمرحلتين رئيسيتين؛ المرحلة الأولى ركزت على توفير البنية الأساسية اللازمة، وتشمل شبكات الاتصالات وربط قواعد البيانات الحكومية وتطوير الأنظمة الإلكترونية داخل المؤسسات، أما المرحلة الثانية -التي بدأت ملامحها بالظهور- فتتعلق بتوظيف هذه البنية في تحسين الأداء الاقتصادي والإداري، وتطوير القدرات البشرية لتكون قادرة على التعامل مع نظم اقتصادية تعتمد بشكل رئيس على التكنولوجيا.

وشرح أنَّ الحديث عن الاقتصاد الرقمي المصري يتطلب تقييم الوضع الحالي، وقياس قدرة الدولة على الانتقال من مرحلة التجهيز إلى مرحلة الاستخدام الفعلي، خصوصًا أن الاقتصاد الرقمي لا يقتصر على امتلاك التكنولوجيا، بل يعتمد على التكامل بين الأنظمة الرقمية والسلوك الاقتصادي للمؤسسات والمستهلكين، فالمجتمع الرقمي يحتاج إلى أفراد يمتلكون مهارات رقمية، وشركات تستطيع توظيف التكنولوجيا في الإنتاج والخدمات، وخدمات حكومية تستند إلى منظومات بيانات دقيقة.

محاور الاقتصاد الرقمي

أوضح قاسم أنَّ الاقتصاد الرقمي عالميًا يعتمد على ثلاثة محاور هي: سرعة تداول المعلومات، ووجود شركات ومنتجات رقمية، وتفاعل مستمر بين التكنولوجيا والاقتصاد. ومن هنا تظهر أهمية البيانات باعتبارها العنصر الأكثر تأثيرًا في رسم السياسات الاقتصادية والمالية؛ إذ تتيح أنظمة التحليل الرقمي تقييم اتجاهات السوق واتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة.

ويرى الدكتور سيد قاسم أن مصر تمتلك اليوم قاعدة يمكن البناء عليها، خاصة بعد التوسع الملحوظ في الخدمات الرقمية بمختلف القطاعات، وهو ما انعكس في تزايد اهتمام الشركات -محلية ودولية- بالاستثمار في السوق المصرية. وهو يعزو ذلك إلى تحسُّن البنية التحتية للاتصالات من ناحية، وإلى توسع استخدام التطبيقات الرقمية في الخدمات المالية والتجارية والحكومية من ناحية أخرى.

فضلًا عن ذلك، أكد قاسم أنَّ أحد عناصر القوة في الاقتصاد الرقمي المصري يتمثل في موقع الدولة على خريطة حركة البيانات العالمية، حيث تمر عبر الأراضي المصرية نسبة كبيرة من البيانات المنقولة بين الشرق والغرب عبر الكابلات البحرية، وهو ما يعزز أهمية تطوير البنية التكنولوجية المحلية. ويوضح أن الدولة توسعت خلال السنوات الأخيرة في مدّ مسارات جديدة للكابلات، حيث تمت إضافة 2600 كيلومتر خلال عام واحد، مقارنة بـ2700 كيلومتر على مدار عقدين سابقين، ليصبح إجمالي الأطوال 5300 كيلومتر، وهو مؤشر على وجود توجه لرفع قدرة شبكات البيانات.

قد يهمّك أيضًا: مصر تعتمد مؤشر السوفر بديلًا لليبور في خطوة إصلاحية جريئة

منصة مصر الرقمية

تناول الدكتور سيد  قاسم مشروعات الدولة التي تدعم مسار التحول الرقمي، وفي مقدمتها منصة مصر الرقمية التي أصبحت الواجهة الأساسية للخدمات الحكومية الإلكترونية؛ فالمنصة -وفق البيانات الرسمية- تضم أكثر من 165 خدمة، ويستخدمها ما يزيد على 8 ملايين مواطن، وقد تم عبرها إجراء أكثر من 45 مليون معاملة، ما يعكس أن جزءًا من المواطنين بدؤوا بالفعل في التحول نحو استخدام الخدمات الرقمية. كما أشار قاسم إلى مشروع البنية المعلوماتية الوطنية الذي عمل على ربط أكثر من 100 قاعدة بيانات حكومية، وهو تطور يسمح بوجود معلومات أكثر ترابطًا ودقة في التعاملات بين الجهات.

ويرى -من جهته- أن حزمة الاستراتيجيات الوطنية، مثل استراتيجية الذكاء الاصطناعي، واستراتيجية الأمن السيبراني، واستراتيجية مصر الرقمية، واستراتيجية الخدمات العابرة للحدود، تعمل على خلق إطار متكامل يعزز التحول الرقمي، رغم تفاوت مستويات التنفيذ بين قطاع وآخر. ويضيف أن حجم التقدم الذي يتحقق في قطاع الاتصالات يعكسه نمو أعداد المستخدمين، فحتى نهاية 2024 وصل عدد مشتركي الهاتف الثابت والمحمول إلى أكثر من 121 مليون مشترك، بينما بلغت نسبة انتشار الهاتف المحمول أكثر من 100%، وبلغ انتشار الإنترنت 72.2%، إلى جانب وجود توسع ملحوظ في استخدام الإنترنت عبر الهاتف المحمول، وهو ما يشير إلى توسع قاعدة المستخدمين.

مقومات نجاح التحول الرقمي

شدد قاسم على أنَّ المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الاستفادة الفعلية من هذه الاستثمارات من خلال تطوير مهارات القوى العاملة، وتبني سياسات واضحة لاستخدام التكنولوجيا في الإنتاج والخدمات، وتحسين جودة البيانات الحكومية، كما أشار إلى أن نجاح التحول الرقمي يعتمد على قدرة المجتمع -مؤسسات وأفرادًا- على التكيف مع متطلبات الاقتصاد الجديد، وليس فقط على البنية التكنولوجية.

وفي الختام، أوضح أن الاقتصاد الرقمي في مصر يقف عند نقطة انتقال بين مرحلة تأسيس البنية التحتية ومرحلة توظيف هذه البنية لتحقيق عوائد اقتصادية، وأن استكمال التحول يتطلب مواءمة السياسات العامة مع الاحتياجات الفعلية للقطاع الإنتاجي والخدمي، وتعزيز الاستثمار في المهارات البشرية، بما يسمح بتقليص الفجوة الرقمية وتحسين كفاءة الاقتصاد في السنوات المقبلة.

اقرأ أيضًا: القطاع المصرفي المصري يتجه نحو التمويل غير المصرفي

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

ابق على اطلاع بآخر الأخبار والتحديثات من Economy Pedia من خلال الاشتراك في النشرة الإخبارية لدينا!

اشترك الآن

Discover more from Economypedia

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading